الشيخ محمد رشيد رضا
400
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويرى أنه قد كسبه وانتفع به فإنما كسبه هذا وبال على نفسه وضرر لا نفع لها كما يتوهم لجهله بعواقب الآثام السيئة في الدنيا والآخرة ، ومن العواقب غير المأمونة في الدنيا فضيحة الآثم ومهانته بظهور الأمر للناس وللحاكم العادل كما وقع لأصحاب القصة الذين نزلت بسببهم الآيات وسترى تحديد معنى الاثم في تفسير الآية التي بعد هذه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً قال الأستاذ الامام اي انه تعالى قد حدد للناس بعلمه حدود الشرائع التي يضرهم تجاوزها ، وبحكمته جعل لها عقابا يضر المتجاوز لها ، فهو إذا يضر نفسه ولا يضر اللّه شيئا . * * * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً أقول يطلق العلماء الخطيئة والاثم والذنب والسيئة على المعصية . ولكل لفظ منها معنى في أصل اللغة يناسبه اطلاق القرآن . ولا يمكن ان يكون الاثم هنا بمعنى الخطيئة . ويقول الراغب ان الاثم في الأصل اسم للأفعال المبطئة عن الثواب . أي مثل السكر والميسر لأنهما يشغلان صاحبهما عن كل عمل صالح ولذلك قال تعالى « فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ » وأما الخطيئة فظاهر انها من الخطأ ضد الصواب ، وصيغة فعيلة تدل على معنى أيضا ، فالخطيئة الفعلة العريقة في الخطأ لظهوره فيها ظهورا لا يعذر صاحبه بجهله . والخطأ قسمان أحدهما ان تخطئ ما يراد منك ، وهو ما يطالبك به الشرع ويفرضه عليك الدين ، أو ما جرى عليه العرف والعهد ، ويدخل في القسم الثاني ويخطئه الفاعل من مطالب الشرع اي يتجاوزه ولو عمدا ، ومن هنا جعلوا الخطيئة بمعنى المعصية مطلقا ، وفسرها ابن جرير هنا بالخطأ والاثم بالعمد . وقال الأستاذ الامام الخطيئة ما يصدر من الذنب عن الفاعل خطأ أي من غير ملاحظة أنه ذنب مخالف للشريعة ، والاثم ما يصدر عنه مع ملاحظة انه ذنب . ويعني بالملاحظة تذكر ذلك وتصوره عند الفعل ، وقال إن عدم الملاحظة والشعور بالذنب عند فعله قد يكون سببه تمكن داعيته من النفس ووصولها إلى درجة الملكات الراسخة والاخلاق الثابتة التي تصدر عنها الاعمال بغير تكلف ولا تدبر ، وهذا المعنى هو المراد هنا . أقول ويصح ان يكون هذا البيان توجبها لقول من فسر الخطيئة هنا بالمعصية الكبيرة . والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه أي يحيره ويدهشه